«كمسري» حافلات النقل العام في مصر
تشهد منظومة النقل العام في مصر واحدة من أكبر عمليات التطوير خلال العقود الأخيرة، حيث أعلنت هيئة النقل العام بدء تطبيق نظام الدفع الإلكتروني داخل الحافلات، تمهيدًا لإلغاء التذاكر الورقية بشكل كامل. هذا القرار لا يقتصر فقط على تحسين الخدمات، بل يحمل معه تغييرًا جوهريًا في أحد أقدم وظائف القطاع: وظيفة الكُمسري.
الكُمسري… أكثر من مجرد محصل تذاكر
لم يكن الكُمسري مجرد موظف يقوم بقطع التذاكر. بل كان جزءًا حيًا من مشهد المواصلات اليومية:
- ينادي على الركاب عند المحطات.
- يساعد كبار السن في الصعود والنزول.
- يوفّر المعلومات للركاب الجدد عن الخطوط والمحطات.
- يتعامل مع الزحام بصبر وروح دعابة.
ولسنوات طويلة، كان الكومسري يمثل عنصر أمان للركاب داخل الأتوبيس، يعرف الجميع ويعرفه الجميع، ويضبط إيقاع الرحلة بين كل محطة وأخرى.
لكن مع دخول التكنولوجيا بشكل أكبر إلى قطاع النقل، أصبح من الطبيعي أن يخطو النظام خطوة أخرى نحو الأتمتة.
الدفع الإلكتروني… خطوة نحو المستقبل
النظام الجديد يعتمد على استخدام كارت ذكي مسبق الدفع يتم تمريره على جهاز قراءة مثبت عند باب الحافلة.
هذا التغيير يضمن:
- تسريع صعود الركاب دون توقف لقطع التذاكر.
- القضاء على مشكلة الفكة المزمنة.
- تقليل الاحتكاك بين العاملين والركاب.
- ضبط الإيرادات وزيادة الكفاءة التشغيلية.
- توفير بيانات دقيقة عن عدد الركاب وتوزيع الضغط على الخطوط.
كما يشمل التطوير تركيب أجهزة مراقبة وكاميرات داخلية وعدادات رقمية، ما يجعل الرحلة أكثر تنظيمًا وأمانًا.
مصير الكُمسري… قلق ومستقبل غامض
على الرغم من أن التحول الرقمي خطوة طبيعية مع توسع المدن، إلا أن القرار طرح تساؤلات كثيرة حول مصير آلاف المحصلين.
البعض منهم تجاوز سن الأربعين أو الخمسين، وقد لا يمتلك المهارات الرقمية التي تؤهله للعمل في وظائف جديدة.
أبرز المخاوف المطروحة:
- هل سيتم الاستغناء عنهم تدريجيًا؟
- هل هناك برامج تدريب لإعادة تأهيلهم؟
- هل يمكن دمجهم في أعمال أخرى داخل الهيئة؟
وبحسب تصريحات غير رسمية، هناك مقترحات لنقل بعضهم إلى مهام مثل متابعة الانضباط داخل المحطات أو الإشراف على الحركة، لكن حتى الآن لا يوجد قرار واضح ونهائي.
ردود فعل الركاب… بين مؤيد ومعارض
الركاب بدورهم انقسموا بين مرحّب ومتوجس:
الفئة المؤيدة
يرى الكثيرون أن النظام الجديد يرفع كفاءة النقل العام بشكل كبير، ويجعل الأتوبيس أقرب لمعايير النقل في الدول المتقدمة.
كما أن التخلص من التأخير الناجم عن قطع التذاكر خطوة طال انتظارها.
الفئة المتحفظة
على الجانب الآخر، يشعر آخرون أن غياب الكومسري قد يؤثر على الانضباط، وأن بعض الركاب قد يتحايلون على النظام في بداياته.
ومع ذلك، يظل التحول الرقمي اتجاهًا عالميًا، وقد أصبح من الضروري مواكبته مهما كان حجم التحديات.
أرقام ضخمة… وحاجة ماسة للتطوير
وفق هيئة النقل العام، ينقل أسطول الحافلات أكثر من مليون راكب يوميًا، عبر:
- 2500 حافلة
- 173 خطًا
- 150 محطة نهائية
- 2800 موقف عابر
ومع هذا الحجم الضخم، يصبح تطوير المنظومة ضرورة وليس رفاهية.
هل نحن أمام نهاية رسمية للكومسري؟
ربما لا يختفي الكُمسري من يومٍ وليلة، ولكن الواقع يشير إلى أن دوره التقليدي يتلاشى تدريجيًا.
ومع دخول المزيد من الحافلات الذكية، قد تصبح المهنة ذكرى مرتبطة بجيل كامل من المصريين.
فوظيفة الكومسري لم تكن مجرد عمل، بل كانت علاقة إنسانية يومية، ولهذا يشعر الكثيرون بنوع من الحنين مع بدء اختفائها.
الخلاصة
ما يحدث اليوم هو تحول طبيعي في مسار تطوير النقل العام، لكنه في الوقت نفسه نهاية لحقبة كاملة من أحد أكثر الوظائف ارتباطًا بوجدان الشارع المصري.
ومع كل تقدم تقني، توجد دائمًا قصة إنسانية في الخلفية… وقصة الكومسري واحدة من تلك القصص التي تبقى في الذاكرة رغم اختفائها من الواقع.

تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا تجربتك وساعد غيرك 😊 ولو محتار تروح إزاي اكتب منطقتك وهنرشدك للطريق